حديث الرسول ﷺ English الإجازة تواصل معنا
الحديث النبوي

إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له - صحيح البخاري

صحيح البخاري | كتاب الأذان باب جهر الإمام بالتأمين (حديث رقم: 780 )


780- عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أمن الإمام، فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه - وقال ابن شهاب - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: آمين "

أخرجه البخاري


أخرجه مسلم في الصلاة باب التسميع والتحميد والتأمين رقم 410 (آمن) قال آمين.
(تأمين الملائكة) قولها آمين بعد قول الإمام

شرح حديث (إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له )

فتح الباري شرح صحيح البخاري: ابن حجر العسقلاني - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني

‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ اِبْنِ شِهَابٍ ) ‏ ‏فِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ عَنْ مَالِكٍ " أَخْبَرَنَا اِبْنُ شِهَابٍ ".
‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ ) ‏ ‏ظَاهِرُهُ أَنَّ لَفْظَهُمَا وَاحِدٌ , لَكِنْ سَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ مُغَايَرَةٌ يَسِيرَةٌ لِلَفْظِ الزُّهْرِيِّ.
‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا ) ‏ ‏ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْإِمَامَ يُؤَمِّنُ , وَقِيلَ مَعْنَاهُ إِذَا دَعَا , وَالْمُرَادُ دُعَاءُ الْفَاتِحَةِ مِنْ قَوْلِهِ : ( اِهْدِنَا ) إِلَى آخِرِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّأْمِينَ دُعَاءٌ.
وَقِيلَ مَعْنَاهُ إِذَا بَلَغَ إِلَى مَوْضِعٍ اِسْتَدْعَى التَّأْمِينَ وَهُوَ قَوْلُهُ : ( وَلَا الضَّالِّينَ ) وَيَرِدُ ذَلِكَ التَّصْرِيحُ بِالْمُرَادِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّأْمِينِ لِلْإِمَامِ , قِيلَ وَفِيهِ نَظَرٌ لِكَوْنِهَا قَضِيَّةً شَرْطِيَّةً , وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِإِذَا يُشْعِرُ بِتَحْقِيقِ الْوُقُوعِ , وَخَالَفَ مَالِكٌ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَهِيَ رِوَايَةُ اِبْنِ الْقَاسِمِ فَقَالَ : لَا يُؤَمِّنُ الْإِمَامُ فِي الْجَهْرِيَّةِ , وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ لَا يُؤَمِّنُ مُطْلَقًا.
وَأَجَابَ عَنْ حَدِيثِ اِبْنِ شِهَابٍ هَذَا بِأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ , وَهِيَ عِلَّةٌ غَيْرُ قَادِحَةٍ فَإِنَّ اِبْنَ شِهَابٍ إِمَامٌ لَا يَضُرُّهُ التَّفَرُّدُ , مَعَ مَا سَيُذْكَرُ قَرِيبًا أَنَّ ذَلِكَ جَاءَ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ , وَرَجَّحَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ كَوْنَ الْإِمَامِ لَا يُؤَمِّنُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بِأَنَّهُ دَاعٍ فَنَاسَبَ أَنْ يَخْتَصَّ الْمَأْمُومُ بِالتَّأْمِينِ , وَهَذَا يَجِيءُ عَلَى قَوْلِهِمْ إِنَّهُ لَا قِرَاءَةَ عَلَى الْمَأْمُومِ , وَأَمَّا مَنْ أَوْجَبَهَا عَلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ : كَمَا اِشْتَرَكَا فِي الْقِرَاءَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِكَا فِي التَّأْمِينِ , وَمِنْهُمْ مَنْ أَوَّلَ قَوْلَهُ " إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ " فَقَالَ : مَعْنَاهُ دَعَا , قَالَ وَتَسْمِيَةُ الدَّاعِي مُؤَمِّنًا سَائِغَةٌ لِأَنَّ الْمُؤَمِّنَ يُسَمَّى دَاعِيًا كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ( قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا ) وَكَانَ مُوسَى دَاعِيًا وَهَارُونُ مُؤَمِّنًا كَمَا رَوَاهُ اِبْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ , وَتُعُقِّبَ بِعَدَمِ الْمُلَازَمَةِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَسْمِيَةِ الْمُؤَمِّنِ دَاعِيًا عَكْسُهُ قَالَهُ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ , عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ فِي الْأَصْلِ لَمْ يَصِحَّ , وَلَوْ صَحَّ فَإِطْلَاقُ كَوْنِ هَارُونَ دَاعِيًا إِنَّمَا هُوَ لِلتَّغْلِيبِ , وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى قَوْلِهِ " إِذَا أَمَّنَ " بَلَغَ مَوْضِعَ التَّأْمِينِ كَمَا يُقَالُ أَنْجَدَ إِذَا بَلَغَ نَجْدًا وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْهَا , قَالَ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ : هَذَا بَعِيدٌ لُغَةً وَشَرْعًا.
وَقَالَ اِبْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَهَذَا مَجَازٌ , فَإِنْ وُجِدَ دَلِيلٌ يُرَجِّحُهُ عُمِلَ بِهِ وَإِلَّا فَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
قُلْتُ : اِسْتَدَلُّوا لَهُ بِرِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِيَةِ بَعْدَ بَابٍ بِلَفْظِ " إِذَا قَالَ الْإِمَامُ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ " قَالُوا فَالْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ يَقْتَضِي حَمْلَ قَوْلِهِ " إِذَا أَمَّنَ " عَلَى الْمَجَازِ.
وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ - عَلَى تَسْلِيمِ الْمَجَازِ الْمَذْكُورِ - بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ إِذَا أَمَّنَ أَيْ أَرَادَ التَّأْمِينَ لِيَتَوَافَقَ تَأْمِينُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ مَعًا , وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَقُولَهَا الْإِمَامُ , وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْإِمَامَ يَقُولُهَا وَذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ , وَيَدُلُّ عَلَى خِلَافِ تَأْوِيلِهِمْ رِوَايَةُ مَعْمَرٍ عَنْ اِبْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِ " إِذَا قَالَ الْإِمَامُ وَلَا الضَّالِّينَ فَقَالُوا آمِينَ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ آمِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ آمِينَ " الْحَدِيثُ , أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالسَّرَّاجُ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي كَوْنِ الْإِمَامِ يُؤَمِّنُ.
وَقِيلَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " إِذَا قَالَ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ " أَيْ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ الْإِمَامُ آمِينَ , وَقِيلَ يُؤْخَذُ مِنْ الْخَبَرَيْنِ تَخْيِيرُ الْمَأْمُومِ فِي قَوْلِهَا مَعَ الْإِمَامِ أَوْ بَعْدَهُ قَالَهُ الطَّبَرِيُّ , وَقِيلَ الْأَوَّلُ لِمَنْ قَرُبَ مِنْ الْإِمَامِ وَالثَّانِي لِمَنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ , لِأَنَّ جَهْرَ الْإِمَامِ بِالتَّأْمِينِ أَخْفَضُ مِنْ جَهْرِهِ بِالْقِرَاءَةِ , فَقَدْ يَسْمَعُ قِرَاءَتَهُ مَنْ لَا يَسْمَعُ تَأْمِينَهُ , فَمَنْ سَمِعَ تَأْمِينَهُ أَمَّنَ مَعَهُ , وَإِلَّا يُؤَمِّنْ إِذَا سَمِعَهُ يَقُولُ وَلَا الضَّالِّينَ لِأَنَّهُ وَقْتُ تَأْمِينِهِ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ.
وَهَذِهِ الْوُجُوهُ كُلُّهَا مُحْتَمَلَةٌ وَلَيْسَتْ بِدُونِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ , وَقَدْ رَدَّهُ اِبْنُ شِهَابٍ بِقَوْلِهِ " وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ آمِينَ " كَأَنَّهُ اِسْتَشْعَرَ التَّأْوِيلَ الْمَذْكُورَ فَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ " إِذَا أَمَّنَ " حَقِيقَةُ التَّأْمِينِ , وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَقَدْ اُعْتُضِدَ بِصَنِيعِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَاوِيهِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ , وَإِذَا تَرَجَّحَ أَنَّ الْإِمَامَ يُؤَمِّنُ فَيَجْهَرُ بِهِ فِي الْجَهْرِيَّةِ كَمَا تَرْجَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ , خِلَافًا لِلْكُوفِيِّينَ وَرِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ : يُسِرُّ بِهِ مُطْلَقًا.
وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ التَّأْمِينُ مَسْمُوعًا لِلْمَأْمُومِ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَقَدْ عُلِّقَ تَأْمِينُهُ بِتَأْمِينِهِ , وَأَجَابُوا بِأَنَّ مَوْضِعَهُ مَعْلُومٌ فَلَا يَسْتَلْزِمُ الْجَهْرَ بِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُخِلَّ بِهِ فَلَا يَسْتَلْزِمُ عِلْمَ الْمَأْمُومِ بِهِ , وَقَدْ رَوَى رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ اِبْنُ شِهَابٍ " وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَالَ وَلَا الضَّالِّينَ جَهَرَ بِآمِينَ " أَخْرَجَهُ السَّرَّاجُ , وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ رِوَايَةِ الزُّبَيْدِيِّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ عَنْ اِبْنِ شِهَابٍ " كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ رَفَعَ صَوْتَهُ وَقَالَ آمِينَ " وَلِلْحُمَيْدِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ بِلَفْظِ " إِذَا قَالَ وَلَا الضَّالِّينَ " وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ اِبْنِ عَمِّ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ وَزَادَ " حَتَّى يَسْمَعَ مَنْ يَلِيهِ مِنْ الصَّفِّ الْأَوَّلِ " وَلِأَبِي دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ نَحْوُ رِوَايَةِ الزُّبَيْدِيِّ , وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ أَوْمَأَ إِلَى النَّسْخِ فَقَالَ : إِنَّمَا كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْهَرُ بِالتَّأْمِينِ فِي اِبْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ لِيُعَلِّمَهُمْ فَإِنَّ وَائِلَ بْنَ حُجْرٍ إِنَّمَا أَسْلَمَ فِي أَوَاخِرِ الْأَمْرِ.
‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَمِّنُوا ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَأْخِيرِ تَأْمِينِ الْمَأْمُومِ عَنْ تَأْمِينِ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ رَتَّبَ عَلَيْهِ بِالْفَاءِ , لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ الْمُرَادَ الْمُقَارَنَةُ وَبِذَلِكَ قَالَ الْجُمْهُورُ , وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ : لَا تُسْتَحَبُّ مُقَارَنَةُ الْإِمَامِ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ غَيْرَهُ , قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ : يُمْكِنُ تَعْلِيلُهُ بِأَنَّ التَّأْمِينَ لِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ لَا لِتَأْمِينِهِ , فَلِذَلِكَ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ وَهُوَ وَاضِحٌ.
ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِلنَّدْبِ , وَحَكَى اِبْنُ بَزِيزَةَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وُجُوبَهُ عَلَى الْمَأْمُومِ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْأَمْرِ , قَالَ : وَأَوْجَبَهُ الظَّاهِرِيَّةُ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ ثُمَّ فِي مُطْلَقِ أَمْرِ الْمَأْمُومِ بِالتَّأْمِينِ أَنَّهُ يُؤَمِّنُ وَلَوْ كَانَ مُشْتَغِلًا بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ , وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ.
ثُمَّ اِخْتَلَفُوا هَلْ تَنْقَطِعُ بِذَلِكَ الْمُوَالَاةُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَصَحُّهُمَا لَا تَنْقَطِعُ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ , بِخِلَافِ الْأَمْرِ الَّذِي لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا كَالْحَمْدِ لِلْعَاطِسِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ ) ‏ ‏زَادَ يُونُسُ عَنْ اِبْنِ شِهَابٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ " فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ " قَبْلَ قَوْلِهِ " فَمَنْ وَافَقَ " وَكَذَا لِابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ اِبْنِ شِهَابٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الدَّعَوَاتِ , وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمُوَافَقَةُ فِي الْقَوْلِ وَالزَّمَانِ , خِلَافًا لِمَنْ قَالَ الْمُرَادُ الْمُوَافَقَةُ فِي الْإِخْلَاصِ وَالْخُشُوعِ كَابْنِ حِبَّانَ فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ : يُرِيدُ مُوَافَقَةَ الْمَلَائِكَةِ فِي الْإِخْلَاصِ بِغَيْرِ إِعْجَابٍ , وَكَذَا جَنَحَ إِلَيْهِ غَيْرُهُ فَقَالَ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ الْمَحْمُودَةِ , أَوْ فِي إِجَابَةِ الدُّعَاءِ , أَوْ فِي الدُّعَاءِ بِالطَّاعَةِ خَاصَّةً , أَوْ الْمُرَادُ بِتَأْمِينِ الْمَلَائِكَةِ اِسْتِغْفَارُهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وَقَالَ اِبْنُ الْمُنِيرِ : الْحِكْمَةُ فِي إِيثَارِ الْمُوَافَقَةِ فِي الْقَوْلِ وَالزَّمَانِ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُومُ عَلَى يَقَظَةٍ لِلْإِتْيَانِ بِالْوَظِيفَةِ فِي مَحَلِّهَا , لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا غَفْلَةَ عِنْدَهُمْ , فَمَنْ وَافَقَهُمْ كَانَ مُتَيَقِّظًا.
ثُمَّ إِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَلَائِكَةُ جَمِيعُهُمْ , وَاخْتَارَهُ اِبْنُ بَزِيزَةَ.
وَقِيلَ : الْحَفَظَةُ مِنْهُمْ , وَقِيلَ الَّذِينَ يَتَعَاقَبُونَ مِنْهُمْ إِذَا قُلْنَا إِنَّهُمْ غَيْرُ الْحَفَظَةِ.
وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ مَنْ يَشْهَدُ تِلْكَ الصَّلَاةَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مِمَّنْ فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي السَّمَاءِ.
وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ بَعْدَ بَابٍ " وَقَالَتْ الْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِينَ " وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْآتِيَةِ أَيْضًا " فَوَافَقَ ذَلِكَ قَوْلَ أَهْلِ السَّمَاءِ " وَنَحْوِهَا لِسُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ , وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ " صُفُوفُ أَهْلِ الْأَرْضِ عَلَى صُفُوفِ أَهْلِ السَّمَاءِ , فَإِذَا وَافَقَ آمِينَ فِي الْأَرْضِ آمِينَ فِي السَّمَاءِ غُفِرَ لِلْعَبْدِ " اِنْتَهَى.
وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ فَالْمَصِيرُ إِلَيْهِ أَوْلَى.
‏ ‏قَوْلُهُ : ( غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) ‏ ‏ظَاهِرُهُ غُفْرَانُ جَمِيعِ الذُّنُوبِ الْمَاضِيَةِ , وَهُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الصَّغَائِرِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عُثْمَانَ فِيمَنْ تَوَضَّأَ كَوُضُوئِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ.
‏ ‏( فَائِدَةٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي أَمَالِي الْجُرْجَانِيِّ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسٍِ الْأَصَمِّ عَنْ بَحْرِ بْنِ نَصْرٍ عَنْ اِبْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ " وَمَا تَأَخَّرَ " وَهِيَ زِيَادَةٌ شَاذَّةٌ فَقَدْ رَوَاهُ اِبْنُ الْجَارُودِ فِي الْمُنْتَقَى عَنْ بَحْرِ بْنِ نَصْرٍ بِدُونِهَا , وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ حَرْمَلَةَ وَابْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى كِلَاهُمَا عَنْ اِبْنِ وَهْبٍ وَكَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا أَنِّي وَجَدْته فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ اِبْنِ مَاجَهْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ كِلَاهُمَا عَنْ اِبْنِ عُيَيْنَةَ بِإِثْبَاتِهَا , وَلَا يَصِحُّ , لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدْ رَوَاهُ فِي مُسْنَدِهِ وَمُصَنَّفِهِ بِدُونِهَا , وَكَذَلِكَ حُفَّاظُ أَصْحَابِ اِبْنِ عُيَيْنَةَ الْحُمَيْدِيِّ وَابْنِ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُمَا.
وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى ضَعِيفَةٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُثْمَانَ وَالْوَلِيدِ اِبْنَيْ سَاجٍ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ اِبْنُ شِهَابٍ ) ‏ ‏هُوَ مُتَّصِلٌ إِلَيْهِ بِرِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْهُ , وَأَخْطَأَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّقٌ.
ثُمَّ هُوَ مِنْ مَرَاسِيلِ اِبْنِ شِهَابٍ , وَقَدْ قَدَّمْنَا وَجْهَ اِعْتِضَادِهِ.
وَرُوِيَ عَنْهُ مَوْصُولًا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْغَرَائِبِ وَالْعِلَلِ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ الْعَدَنِيِّ عَنْ مَالِكٍ عَنْهُ , وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : تَفَرَّدَ بِهِ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ وَهُوَ ضَعِيفٌ , وَفِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ عَلَى الْإِمَامِيَّةِ فِي قَوْلِهِمْ إِنَّ التَّأْمِينَ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ , لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَفْظِ قُرْآنٍ وَلَا ذِكْرٍ , وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهُمْ مَا نُقِلَ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ أَنَّ مَعْنَى آمِينَ أَيْ قَاصِدِينَ إِلَيْك , وَبِهِ تَمَسَّكَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ بِالْمَدِّ وَالتَّشْدِيدِ , وَصَرَّحَ الْمُتَوَلِّي مِنْ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ مَنْ قَالَهُ هَكَذَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
وَفِيهِ فَضِيلَةُ الْإِمَامِ لِأَنَّ تَأْمِينَ الْإِمَامِ يُوَافِقُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ , وَلِهَذَا شُرِعَتْ لِلْمَأْمُومِ مُوَافَقَتُهُ.
وَظَاهِرُ سِيَاقِ الْأَمْرِ أَنَّ الْمَأْمُومَ إِنَّمَا يُؤَمِّنُ إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ لَا إِذَا تَرَكَ , وَقَالَ بِهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ " الذَّخَائِرِ " وَهُوَ مُقْتَضَى إِطْلَاقِ الرَّافِعِيِّ الْخِلَافَ.
وَادَّعَى النَّوَوِيُّ فِي " شَرْحِ الْمُهَذَّبِ " الِاتِّفَاقَ عَلَى خِلَافِهِ , وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي " الْأُمِّ " عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ يُؤَمِّنُ وَلَوْ تَرَكَهُ الْإِمَامُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا , وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْقُرْطُبِيُّ عَلَى تَعْيِينِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ لِلْإِمَامِ , وَعَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْرَأَ فِيمَا جَهَرَ بِهِ إِمَامُهُ , فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ أَنَّ التَّأْمِينَ مُخْتَصٌّ بِالْفَاتِحَةِ فَظَاهِرُ السِّيَاقِ يَقْتَضِي أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ كَانَ أَمْرًا مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ , وَأَمَّا الثَّانِي فَقَدْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ حَالَ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ لَهَا لَا أَنَّهُ لَا يَقْرَؤُهَا أَصْلًا.


حديث إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم

الحديث بالسند الكامل مع التشكيل

‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ آمِينَ ‏

كتب الحديث النبوي الشريف

المزيد من أحاديث صحيح البخاري

إذا قال أحدكم آمين وقالت الملائكة في السماء آمين ف...

عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قال أحدكم: آمين، وقالت الملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى غفر له م...

قولوا آمين فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له

عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قال الإمام: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} فقولوا: آمين، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر...

ركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال زاد...

عن أبي بكرة، أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «زادك الله حرصا ولا تع...

ذكر أنه كان يكبر كلما رفع وكلما وضع

عن عمران بن حصين، قال: صلى مع علي رضي الله عنه بالبصرة فقال: «ذكرنا هذا الرجل صلاة كنا نصليها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر أنه كان يكبر كلما...

يصلي بهم فيكبر كلما خفض ورفع

عن أبي هريرة، أنه كان «يصلي بهم، فيكبر كلما خفض، ورفع»، فإذا انصرف، قال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم

كان إذا سجد كبر وإذا رفع رأسه كبر وإذا نهض من الرك...

عن مطرف بن عبد الله، قال: صليت خلف علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنا وعمران بن حصين، «فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع رأسه كبر وإذا نهض من الركعتين كبر»، فل...

يكبر في كل خفض ورفع وإذا قام وإذا وضع

عن عكرمة، قال: رأيت رجلا عند المقام، «يكبر في كل خفض ورفع، وإذا قام وإذا وضع»، فأخبرت ابن عباس رضي الله عنه، قال: أوليس تلك صلاة النبي صلى الله عليه و...

صليت خلف شيخ بمكة فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة

قال: صليت خلف شيخ بمكة، «فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة»، فقلت لابن عباس: إنه أحمق، فقال: ثكلتك أمك «سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم» وقال موسى: حدثنا أبا...

يكبر حين يهوي ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يكبر حين يس...

عن أبي هريرة، يقول: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صلبه م...