حديث الرسول ﷺ الإجازة تواصل معنا
الحديث النبوي

ليس عليكم جناح أن تأكلوا من بيوتكم - سنن أبي داود

سنن أبي داود | كتاب الأطعمة باب نسخ الضيف يأكل من مال غيره (حديث رقم: 3753 )


3753- عن ابن عباس، قال: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: ٢٩] " فكان الرجل يحرج أن يأكل عند أحد من الناس بعد ما نزلت هذه الآية، فنسخ ذلك الآية التي في النور، قال: ليس عليكم جناح {أن تأكلوا من بيوتكم} [النور: ٦١] إلى قوله {أشتاتا} [النور: ٦١] كان الرجل الغني يدعو الرجل من أهله إلى الطعام، قال: إني لأجنح أن آكل منه، والتجنح: الحرج، ويقول: المسكين أحق به مني، فأحل في ذلك أن يأكلوا مما ذكر اسم الله عليه، وأحل طعام أهل الكتاب "



إسناده حسن من أجل علي بن الحسين بن واقد، فقد روى عنه جمع من الحفاظ.
وقال النسائي: ليس به بأس، ووصفه الحافظ الذهبي في "السير" بالإمام المحدث الصدوق، وبأنه كان عالما صاحب حديث كأبيه، ويغلب على ظننا أن تضعيف أبي حاتم والعقيلي له للإرجاء، كالذي نقله البخاري عن إسحاق بن راهويه، وليس ذلك بجرح، لأن الإرجاء مذهب لعدة من جلة العلماء لا ينبغي التحامل على قائله كما قال الحافظ الذهبي في ترجمة مسعر بن كدام من "الميزان"، والله تعالى أعلم.
يزيد النحوي: هو ابن أبي سعيد أبو الحسن القرشي مولاهم، وأحمد بن محمد المروزي: هو أحمد بن محمد بن ثابت بن عثمان الخزاعي، ابن شبويه.
وأخرجه البيهقي ٧/ ٢٧٤ من طريق أبي داود السجستاني، بهذا الإسناد.
وأخرجه الطبري في "تفسيره" ٥/ ٣١ عن محمد بن حميد الرازي، عن يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن البصري قولهما.
ومحمد بن حميد الرازي ضعيف الحديث.
وأخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" (٤٤٣)، والطبري ١٨/ ١٦٨، وأبو جعفر النحاس في معاني القرآن، ٤/ ٥٥٨، وفي "الناسخ والمنسوخ" ص ٢٣٦ - ٢٣٧، وأبو بكر الجصاص في "أحكام القرآن" ٣/ ٣٣٤ من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس.
وقد خالف ابن عباس في دعوى النسخ عبد الله بن مسعود كما رواه عنه ابن أبي حاتم، والطبراني في "الكبير" (١٠٠٦١)، فقال في قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: ٢٩] قال: إنها محكمة ما نسخت.
وصحح إسناده الحافظ السيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٤٩٤، وهو كما قال.
وقال مكي بن أبي طالب في "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" ص ٢٢٥: روي من طريق ابن عباس، وهو غير صحيح عنه.
قلت [القائل مكي]: وهذا لا يجوز أن ينسخ، لأن أكل الأموال بالباطل لا ينسخ إلا إلى جواز ذلك، وجوازه لا يحسن ولا يحل، فأما من أكلت ماله بطيب نفسه من قريب أو صديق فهو جائز، وليس ذلك من أكل الأموال بالباطل في شيء.
والآية في النساء وهي في النهي عن أكل مال غيرك من غير طيب نفسه، فهو من أكل المال بالباطل.
والآية في النور هي في جواز أكل مال غيرك عن طيب نفسه، وذلك جائز.
فالآيتان في حكمين مختلفين، لا تنسخ إحداهما الأخرى، فلا مدخل لذكرهما في هذا الباب.
وقال ابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص ٤١٣: وقد زعم بعضهم أنها (أي آية النور) منسوخة بقوله: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} وليس هذا بقول فقيه.
تنبيه: جاء في هامش (هـ) عند هذا الباب ما نصه: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان الثوري، عن منصور، عن عامر، عن أبي عياض قال: قال عمر بن الخطاب: إذا مر أحدكم بالحائط فليأكل ولا يتخذه خبنة.
ولم نتبين من أي الروايات هو، فلم يرد في غير هامش (هـ) ولم ينبه عليه المزي في "الأطراف".

شرح حديث ( ليس عليكم جناح أن تأكلوا من بيوتكم )

عون المعبود على شرح سنن أبي داود: أبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي

‏ ‏( قَالَ ) ‏ ‏اِبْن عَبَّاس فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى الَّذِي فِي النِّسَاء يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‏ ‏{ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ } ‏ ‏يَعْنِي بِالْحَرَامِ الَّذِي لَا يَحِلّ فِي الشَّرْع كَالرِّبَا وَالْقِمَار وَالْغَصْب وَالسَّرِقَة وَالْخِيَانَة وَشَهَادَة الزُّور وَأَخْذ الْمَال بِالْيَمِينِ الْكَاذِبَة وَنَحْو ذَلِكَ , وَإِنَّمَا خَصَّ الْأَكْلَ بِالذِّكْرِ وَنَهَى عَنْهُ تَنْبِيهًا عَلَى غَيْره مِنْ جَمِيع التَّصَرُّفَات الْوَاقِعَة عَلَى وَجْه الْبَاطِل لِأَنَّ مُعْظَم الْمَقْصُود مِنْ الْمَال الْأَكْل.
وَقِيلَ يَدْخُل فِيهِ أَكْل مَال نَفْسه بِالْبَاطِلِ وَمَال غَيْره.
أَمَّا أَكْل مَاله بِالْبَاطِلِ فَهُوَ إِنْفَاقه فِي الْمَعَاصِي وَأَمَّا أَكْل مَال غَيْره فَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ وَقِيلَ يَدْخُل فِي أَكْل الْمَال بِالْبَاطِلِ جَمِيع الْعُقُود الْفَاسِدَة , قَالَهُ الْخَازِن.
‏ ‏قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي الدُّرّ الْمَنْثُور : أَخْرَجَ اِبْن أَبِي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ اِبْن مَسْعُود فِي قَوْله { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ } قَالَ " إِنَّهَا مُحْكَمَة مَا نُسِخَتْ وَلَا تُنْسَخ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ".
وَأَخْرَجَ اِبْن جَرِير وَابْن حَاتِم عَنْ السُّدِّيّ فِي الْآيَة قَالَ " أَمَّا أَكْلهمْ أَمْوَالهمْ بَيْنَهُمْ بِالْبَاطِلِ فَالزِّنَا وَالْقِمَار وَالْبَخْس وَالظُّلْم إِلَّا أَنْ تَكُون تِجَارَة فَلْيُرَبِّ الدِّرْهَمَ أَلْفًا إِنْ اِسْتَطَاعَ " وَأَخْرَجَ اِبْن جَرِير عَنْ عِكْرِمَة وَالْحَسَن فِي الْآيَة قَالَ كَانَ الرَّجُل يَتَحَرَّج أَنْ يَأْكُلَ عِنْد أَحَد مِنْ النَّاس بَعْدَمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فَنُسِخَ ذَلِكَ بِالْآيَةِ الَّتِي فِي النُّور { وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ } الْآيَة اِنْتَهَى كَلَام السُّيُوطِيّ.
‏ ‏وَفِي الْخَازِن : قِيلَ لَمَّا نَزَلَتْ { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ } قَالُوا لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنَّا أَنْ يَأْكُلَ عِنْدَ أَحَدٍ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى { وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ } ‏ ‏{ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً } ‏ ‏: أَيْ إِلَّا أَنْ تَكُونَ التِّجَارَةُ قَالَهُ النَّسَفِيّ ‏ ‏{ عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } ‏ ‏: هَذَا الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطِع , لِأَنَّ التِّجَارَة عَنْ تَرَاضٍ لَيْسَتْ مِنْ جِنْس أَكْل الْمَال بِالْبَاطِلِ فَكَأَنَّ إِلَّا هَا هُنَا بِمَعْنَى لَكِنْ يَحِلّ أَكْله بِالتِّجَارَةِ عَنْ تَرَاضٍ , يَعْنِي بِطِيبَةِ نَفْس كُلّ وَاحِد مِنْكُمْ وَقِيلَ هُوَ أَنْ يُخْبِر كُلّ وَاحِد مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ صَاحِبَهُ بَعْدَ الْبَيْع فَيَلْزَم وَإِلَّا فَلَهُمَا الْخِيَار مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَاَللَّه أَعْلَمُ.
‏ ‏وَبَيَان مَقْصُود الْبَاب أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى { لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } حَرُمَ بِذَلِكَ أَكْل الرَّجُل مِنْ مَال غَيْره مُطْلَقًا إِلَّا بِتِجَارَةٍ صَادِرَة عَنْ تَرَاضٍ , فَقَدْ وَقَعَ بِسَبَبِ تِلْكَ الْحُرْمَة ضِيق عَلَى الْمُكَلِّفِينَ فِي الْأَكْل مِنْ مَال غَيْره قَالَ اِبْن عَبَّاس ‏ ‏( فَكَانَ الرَّجُل يُحَرَّج ) ‏ ‏: مِنْ بَاب التَّفْعِيل أَيْ يَحْسَب الرَّجُل الْوُقُوع فِي الْحَرَج وَالْإِثْم وَكَانَ يَجْتَنِب ‏ ‏( أَنْ يَأْكُلَ عِنْدَ أَحَد مِنْ النَّاس ) ‏ ‏: سَوَاء كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا أَوْ غَيْرهمَا وَسَوَاء كَانَ ذَلِكَ الطَّعَام مِمَّا ذُكِرَ عَلَيْهِ اِسْم اللَّه أَوْ لَمْ يَكُنْ.
‏ ‏وَذَلِكَ ‏ ‏( بَعْدَمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة ) ‏ ‏الْكَرِيمَة الَّتِي فِي النِّسَاء وَهِيَ قَوْله تَعَالَى { لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ } الْآيَة لِأَنَّهَا حَرَّمَتْ الْأَكْلَ مِنْ مَال الْغَيْر إِلَّا بِتِجَارَةٍ عَنْ تَرَاضٍ.
وَأَخْرَجَ اِبْن جَرِير وَابْن الْمُنْذِر وَابْن أَبِي حَاتِم وَالْبَيْهَقِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ " لَمَّا نَزَلَتْ { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ } قَالَ الْمُسْلِمُونَ إِنَّ اللَّه قَدْ نَهَانَا أَنْ نَأْكُلَ أَمْوَالَنَا بَيْننَا بِالْبَاطِلِ وَالطَّعَام هُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَمْوَال فَلَا يَحِلّ لِأَحَدٍ مِنَّا أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عِنْد أَحَد , فَكَفَّ النَّاس عَنْ ذَلِكَ , فَأَنْزَلَ اللَّه { لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَج } الْآيَة " اِنْتَهَى ‏ ‏( فَنُسِخَ ذَلِكَ ) ‏ ‏: أَيْ الْحُكْم الَّذِي فَهِمَهُ الْمُسْلِمُونَ وَقَالُوا لَا يَحِلّ لِأَحَدٍ مِنَّا أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عِنْد أَحَد وَنُسِخَ ذَلِكَ أَيْ الضِّيق الَّذِي كَانَ قَدْ حَصَلَ فِي الْأَكْل مِنْ مَال غَيْره بِسَبَبِ نُزُول الْآيَة الْمَذْكُورَة ‏ ‏( الْآيَة ) ‏ ‏: بِالرَّفْعِ فَاعِل نُسِخَ ‏ ‏( الَّتِي فِي النُّور قَالَ ) ‏ ‏اللَّه تَعَالَى فِي تِلْكَ الْآيَة الَّتِي فِي النُّور ‏ ‏{ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ إِلَى قَوْله أَشْتَاتًا } ‏ ‏: لَيْسَتْ التِّلَاوَة هَكَذَا , فَهَذَا النَّقْل الَّذِي فِي الْكِتَاب إِنَّمَا هُوَ نَقْل بِالْمَعْنَى لَا بِاللَّفْظِ , وَتَمَام الْآيَة مَعَ تَفْسِيرهَا هَكَذَا { وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ } : أَيْ لَا حَرَج عَلَيْكُمْ { أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ } : أَيْ بُيُوت أَوْلَادكُمْ لِأَنَّ وَلَد الرَّجُل بَعْضه , وَحُكْمه حُكْم نَفْسه , وَلِذَا لَمْ يَذْكُر الْأَوْلَاد فِي الْآيَة , وَثَبَتَ فِي الْحَدِيث " أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك " أَوْ بُيُوتِ أَزْوَاجِكُمْ لِأَنَّ الزَّوْجَيْنِ صَارَا كَنَفْسٍ وَاحِدَة فَصَارَ بَيْت الْمَرْأَة كَبَيْتِ الزَّوْجِ { أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوت أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ }.
‏ ‏قَالَ اِبْن عَبَّاس عَنَى بِذَلِكَ وَكِيل الرَّجُل وَقَيِّمَهُ فِي ضَيْعَته وَمَاشِيَتِهِ لَا بَأْس عَلَيْهِ أَنْ يَأْكُل مِنْ ثَمَرَة ضَيْعَته وَيَشْرَب مِنْ لَبَن مَاشِيَته وَلَا يَحْمِل وَلَا يَدَّخِر { أَوْ صَدِيقِكُمْ } : الصَّدِيق هُوَ الَّذِي صَدَقَك فِي الْمَوَدَّة.
‏ ‏قَالَ اِبْن عَبَّاس : نَزَلَتْ فِي الْحَارِث بْن عَمْرو خَرَجَ غَازِيًا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَلَفَ مَالِك بْن زَيْد عَلَى أَهْله فَلَمَّا رَجَعَ وَجَدَهُ مَجْهُودًا فَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ فَقَالَ : تَحَرَّجْت أَنْ آكُل مِنْ طَعَامك بِغَيْرِ إِذْنك , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى هَذِهِ الْآيَة.
‏ ‏وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاح أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ مَنَازِل هَؤُلَاءِ إِذَا دَخَلْتُمُوهَا وَإِنْ لَمْ يَحْضُرُوا مِنْ غَيْر أَنْ تَتَزَوَّدُوا وَتَحْمِلُوا ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا ) : أَيْ مُجْتَمِعِينَ ( أَوْ أَشْتَاتًا ) : أَيْ مُتَفَرِّقِينَ نَزَلَتْ فِي بَنِي لَيْث بْن عَمْرو وَهُمْ حَيّ مِنْ كِنَانَة , كَانَ الرَّجُل مِنْهُمْ لَا يَأْكُل وَحْده حَتَّى يَجِدَ ضَيْفًا يَأْكُل مَعَهُ , فَرُبَّمَا قَعَدَ الرَّجُل وَالطَّعَام بَيْن يَدَيْهِ مِنْ الصَّبَاح إِلَى الرَّوَاح , وَرُبَّمَا كَانَتْ مَعَهُ الْإِبِل الْحُفَّل فَلَا يَشْرَب مِنْ أَلْبَانهَا حَتَّى يَأْتِيَ مَنْ يُشَارِبهُ فَإِذَا أَمْسَى وَلَمْ يَجِد أَحَدًا أَكَلَ.
‏ ‏وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانَ الْغَنِيّ يَدْخُل عَلَى الْفَقِير مِنْ ذَوِي قَرَابَته وَصَدَاقَته فَيَدْعُوهُ إِلَى طَعَامه فَيَقُول وَاَللَّهِ لَأَجَّنَّحُ أَيْ أَتَحَرَّج أَنْ آكُل مَعَك وَأَنَا غَنِيّ وَأَنْتَ فَقِير فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة.
‏ ‏وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي قَوْم مِنْ الْأَنْصَار كَانُوا لَا يَأْكُلُونَ إِذَا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْف إِلَّا مَعَ ضَيْفهمْ , فَرُخِّصَ لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا كَيْف شَاءُوا مُجْتَمِعِينَ أَوْ مُتَفَرِّقِينَ , قَالَهُ الْعَلَّامَة الْخَازِن فِي تَفْسِيره.
‏ ‏وَفِي الدُّرّ الْمَنْثُور أَخْرَجَ اِبْن جَرِير وَابْن الْمُنْذِر عَنْ عِكْرِمَة وَأَبِي صَالِح قَالَا : كَانَتْ الْأَنْصَار إِذَا نَزَلَ بِهِمْ الضَّيْف لَا يَأْكُلُونَ حَتَّى يَأْكُلَ مَعَهُمْ اِنْتَهَى فَنَزَلَتْ رُخْصَة لَهُمْ اِنْتَهَى : ‏ ‏قَالَ اِبْن عَبَّاس ( كَانَ الرَّجُل يَعْنِي الْغَنِيّ ) : الدَّاعِي قَبْلَمَا نَزَلَتْ آيَة النُّور وَبَعْدَمَا نَزَلَتْ آيَة النِّسَاء ‏ ‏( يَدْعُو الرَّجُل ) ‏ ‏: الْغَنِيّ الْمَدْعُوّ ‏ ‏( مِنْ أَهْله إِلَى الطَّعَام قَالَ ) ‏ ‏: ذَلِكَ الرَّجُل الْغَنِيّ الْمَدْعُوّ ‏ ‏( إِنِّي لَأَجَّنَّح ) ‏ ‏: بِتَشْدِيدِ الْجِيم وَالنُّون أَصْله أَتَجَنَّح تَفَعُّلٌ مِنْ الْجُنَاح أَيْ أَرَى الْأَكْل مِنْهُ جُنَاحًا وَإِثْمًا ‏ ‏( أَنْ آكُل مِنْهُ ) ‏ ‏: أَيْ أَرَى الْأَكْل مِنْ طَعَامك جُنَاحًا وَإِثْمًا , وَذَلِكَ لِأَجْلِ آيَة النِّسَاء ‏ ‏( وَالتَّجَنُّح الْحَرَج ) ‏ ‏: هَذَا تَفْسِير مِنْ الْمُؤَلِّف أَوْ مِنْ بَعْض الرُّوَاة وَالْحَرَج الضِّيق , وَالْمُرَاد بِهِ خَوْف الْوُقُوع فِي الضِّيق أَيْ الْحُرْمَة وَالْإِثْم ‏ ‏( وَيَقُول ) ‏ ‏: ذَلِكَ الرَّجُل الْمَدْعُوّ لِلرَّجُلِ الْغَنِيّ الدَّاعِي أَيْضًا ‏ ‏( الْمِسْكِين أَحَقّ بِهِ ) ‏ ‏: أَيْ بِهَذَا الطَّعَام ‏ ‏( مِنِّي ) ‏ ‏: فَأَعْطِهِ الْمِسْكِين ‏ ‏( فَأُحِلَّ ) ‏ ‏: بِصِيغَةِ الْمَجْهُول ‏ ‏( فِي ذَلِكَ ) ‏ ‏: أَيْ فِي قَوْله تَعَالَى الَّذِي فِي النُّور ‏ ‏( أَنْ يَأْكُلُوا ) ‏ ‏: مِنْ مَال غَيْرهمْ إِذَا كَانَ الْغَيْر مِمَّنْ ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَة حَال كَوْن ذَلِكَ الْمَال ‏ ‏{ مِمَّا ذُكِرَ اِسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } ‏ ‏: بِخِلَافِ مَا لَمْ يُذْكَرْ اِسْم اللَّه عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَدْخُل فِي الْحِلّ لِكَوْنِهِ بَاقِيًا عَلَى حُرْمَته كَمَا كَانَ ‏ ‏( وَأُحِلّ ) ‏ ‏: فِي ذَلِكَ ‏ ‏( طَعَام أَهْل الْكِتَاب ) ‏ ‏: أَيْضًا أَنْ يُؤْكَل كَمَا أُحِلّ فِي ذَلِكَ طَعَام الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُؤْكَل لِكَوْنِ الْآيَة عَامَّة غَيْر مُخْتَصَّة بِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ , فَإِنَّ آبَاءَكُمْ وَأُمَّهَاتكُمْ وَإِخْوَانكُمْ وَأَخَوَاتكُمْ وَأَعْمَامكُمْ وَعَمَّاتكُمْ وَأَخْوَالكُمْ وَخَالَاتكُمْ وَمَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحه وَصَدِيقكُمْ الْمَذْكُورَة فِي هَذِهِ الْآيَة كُلّهَا عَامَّة شَامِلَة لِلْفَرِيقَيْنِ غَيْر مُخْتَصَّة بِأَحَدِهِمَا وَكَذَا لَفْظ " أَوْ " فِي بُيُوتكُمْ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ بُيُوت أَوْلَادكُمْ.
‏ ‏فَهَذَا الْبَاب مِنْ مُتَمِّمَات الْبَاب الْأَوَّل وَمُؤَيِّد لِمَعْنَاهُ لِأَنَّ ظَاهِر آيَة النِّسَاء يَدُلّ عَلَى نَسْخ أَكْل الضِّيَافَة عَلَى مَا قَالَهُ اِبْن عَبَّاس فَأَثْبَتَ الْمُؤَلِّف رَحِمَهُ اللَّه حُكْم جَوَاز الضِّيَافَة بِآيَةِ النُّور وَجَعَلَ حُكْم آيَة النِّسَاء مَنْسُوخًا بِآيَةِ النُّور فَثَبَتَ بِذَلِكَ حُكْم جَوَاز الضِّيَافَة وَنَسْخ عَدَم جَوَازهَا , فَقَوْل الْعَلَّامَة السُّيُوطِيِّ فِي مِرْقَاة الصُّعُود تَحْت بَاب مَا جَاءَ فِي الضِّيَافَة , وَقَدْ نُسِخَ وُجُوب الضِّيَافَة وَأَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ فِي الْبَاب الَّذِي عَقَدَهُ بَعْدَهَا.
اِنْتَهَى , لَمْ يَظْهَر لِي مَعْنَى كَلَامه وَلَمْ يَتَّضِح لِي كَيْف يَكُون الْبَاب الثَّانِي نَاسِخًا لِحُكْمِ الْبَاب الْأَوَّل إِلَّا أَنْ يُقَال إِنَّ الْبَابَ الْأَوَّلَ فِيهِ حُكْم وُجُوب الضِّيَافَة وَالْبَاب الثَّانِي فِيهِ نَفْي الْحَرَج وَالْإِثْم عَنْ الضِّيَافَة فَالْأَمْر الْوَاجِب لَيْسَ مِنْ شَأْنه أَنْ يُقَالَ لَهُ إِنَّ فِعْله لَيْسَ بِإِثْمٍ وَلَا حَرَج فَثَبَتَ بِذَلِكَ نَسْخٌ لِلْوُجُوبِ , وَفِي هَذَا الْكَلَام بُعْدٌ وَاَللَّه أَعْلَمُ.
‏ ‏قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَاده عَلِيّ بْن الْحُسَيْن بْن وَاقِد وَفِيهِ مَقَالٌ اِنْتَهَى.


الحديث بالسند الكامل مع التشكيل

‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ النَّحْوِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ { ‏لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ‏} ‏فَكَانَ الرَّجُلُ يَحْرَجُ أَنْ يَأْكُلَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ بَعْدَ مَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ‏ ‏فَنَسَخَ ‏ ‏ذَلِكَ الْآيَةُ الَّتِي فِي ‏ ‏النُّورِ ‏ ‏قَالَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ إِلَى قَوْلِهِ أَشْتَاتًا كَانَ الرَّجُلُ ‏ ‏الْغَنِيُّ ‏ ‏يَدْعُو الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِهِ إِلَى الطَّعَامِ قَالَ إِنِّي ‏ ‏لَأَجَّنَّحُ ‏ ‏أَنْ آكُلَ مِنْهُ ‏ ‏وَالتَّجَنُّحُ الْحَرَجُ ‏ ‏وَيَقُولُ الْمِسْكِينُ أَحَقُّ بِهِ مِنِّي فَأُحِلَّ فِي ذَلِكَ أَنْ يَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَأُحِلَّ طَعَامُ ‏ ‏أَهْلِ الْكِتَابِ ‏

كتب الحديث النبوي الشريف

أحاديث أخرى من سنن أبي داود

يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته

حدثني عمي نمران بن عتبة الذماري، قال: دخلنا على أم الدرداء ونحن أيتام، فقالت: أبشروا، فإني سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ي...

نهى عن كسب الإماء

عن أبي هريرة، قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كسب الإماء»

ما من نفس منفوسة إلا كتب الله مكانها من النار أو ا...

عن علي عليه السلام، قال: كنا في جنازة فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ببقيع الغرقد، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس ومعه مخصرة، فجعل ينكت با...

كان يستحب الجوامع من الدعاء ويدع ما سوى ذلك

عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك»

ارتقى بنا إلى علية فأخذ المفتاح من حجرته ففتح

عن دكين بن سعيد المزني، قال: أتينا النبي صلى الله عليه وسلم فسألناه الطعام، فقال: «يا عمر اذهب فأعطهم» فارتقى بنا إلى علية فأخذ المفتاح من حجرته ففتح...

لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد

عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى "

كانت على أرجوحة فأتي بها فبنى بها

عن عائشة، قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تزوجني وأنا بنت سبع أو ست، فلما قدمنا المدينة أتين نسوة، وقال بشر: فأتتني أم رومان، وأنا على أرجوحة...

نهى عن أكل كل ذي ناب من السبع

عن أبي ثعلبة الخشني، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نهى عن أكل كل ذي ناب من السبع»

إذا لقيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب

عن همام، قال: جاء رجل فأثنى على عثمان في وجهه، فأخذ المقداد بن الأسود ترابا فحثا في وجهه، وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا لقيتم المداحين...