حديث الرسول ﷺ English الإجازة تواصل معنا
الحديث النبوي

إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه - صحيح مسلم

صحيح مسلم | كتاب السلام  باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها (حديث رقم: 5784 )


5784- عن عبد الله بن عباس، أن عمر بن الخطاب، خرج إلى الشام، حتى إذا كان بسرغ لقيه أهل الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام، قال ابن عباس فقال عمر: ادع لي المهاجرين الأولين فدعوتهم، فاستشارهم، وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا فقال بعضهم: قد خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه، وقال بعضهم معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء فقال: ارتفعوا عني، ثم قال ادع لي الأنصار فدعوتهم له، فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي من كان هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فدعوتهم فلم يختلف عليه رجلان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء، فنادى عمر في الناس: إني مصبح على ظهر، فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفرارا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة - وكان عمر يكره خلافه - نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت واديا له عدوتان، إحداهما خصبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله، قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف، وكان متغيبا في بعض حاجته، فقال: إن عندي من هذا علما، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا سمعتم به بأرض، فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فرارا منه» قال: فحمد الله عمر بن الخطاب ثم انصرف.
أخبرنا معمر، بهذا الإسناد نحو حديث مالك، وزاد في حديث معمر قال: وقال له أيضا: أرأيت أنه لو رعى الجدبة وترك الخصبة أكنت معجزه؟ قال: نعم، قال: فسر إذا، قال: فسار حتى أتى المدينة، فقال: هذا المحل أو قال: هذا المنزل إن شاء الله.
عن ابن شهاب، بهذا الإسناد، غير أنه قال: إن عبد الله بن الحارث حدثه، ولم يقل: عبد الله بن عبد الله

أخرجه مسلم


(بسرغ) هي قرية في طرف الشام مما يلي الحجاز يجوز صرفه وتركه.
(الأجناد) المراد بالأجناد، هنا، مدن الشام الخمس.
وهي فلسطين والأردن ودمشق وحمص وقنسرين.
قال الإمام النووي: هكذا فسروه واتفقوا عليه.
ومعلوم أن فلسطين اسم لناحية بيت المقدس.
والأردن اسم لناحية بيسان وطبرية وما يتعلق بهما.
ولا يضر: إطلاق اسم المدينة عليه.
(الوباء) الوباء، مهموز مقصور، وممدود.
لغتان القصر أفصح وأشهر.
قال الخليل وغيره هو الطاعون.
وقال: هو كل مرض عام.
والذي قاله المحققون: أنه مرض الكثيرين من الناس في جهة من الأرض، دون سائر الجهات، ويكون مخالفا للمعتاد من أمراض، في الكثرة وغيرها.
ويكون مرضهم نوعا واحدا، بخلاف سائر الأوقات فإن أمراضهم فيها مختلفة.
قالوا: وكل طاعون وباء، وليس كل وباء طاعونا.
والوباء الذي وقع بالشام في زمن عمر كان طاعونا.
وهو طاعون عمواس، وهي قرية معروفة بالشام.
(مشيخة قريش من مهاجرة الفتح) إنما رتبهم هكذا على حسب فضائلهم.
قال القاضي: المراد بالمهاجرين الأولين من صلى للقبلتين.
وأما من أسلم بعد تحويل القبلة فلا يعد منهم.
قال: وأما مهاجرة الفتح فقيل: هم الذين أسلموا قبل الفتح، فحصل لهم فضل بالهجرة قبل الفتح.
وقيل: هم مسلمة الفتح الذين هاجروا بعده، فحصل لهم اسم دون الفضيلة.
قال القاضي: هذا أظهر لأنهم الذين ينطلق عليهم: مشيخة قريش.
وكان رجوع عمر رضي الله عنه لرجحان طرف الرجوع لكثرة القائلين به، وأنه أحوط، ولم يكن مجرد لتقليد لمسلمة الفتح.
لأن بعض المهاجرين الأولين وبعض الأنصار أشاروا بالرجوع.
وبعضهم بالقدوم عليه.
وانضم إلى المشيرين بالرجوع رأي مشيخة قريش.
فكثر القائلون به، مع ما لهم من السن والخبرة وكثرة التجارب وسداد الرأي.
وحجة الطائفتين واضحة.
مبينة في الحديث.
وهما مستمدان من أصلين في الشرع: أحدهما التوكل والتسليم للقضاء.
والثاني الاحتياط والحذر ومجانبة أسباب الإلقاء باليد إلى التهلكة.
(مصبح) أي مسافر راكب على ظهر الراحلة، راجع إلى وطني، فأصبحوا عليه وتأهبوا له.
(لو غيرك قالها) جواب لو محذوف.
وفي تقديره وجهان ذكرهما صاحب التحرير وغيره: أحدهما لو قاله غيرك لأدبته لاعتراضه علي في مسألة اجتهادية وافقني عليها أكثر الناس وأهل الحل والعقد فيها.
والثاني لو قالها غيرك لم أتعجب منه.
وإنما أتعجب من قولك أنت ذلك، مع ما أنت عليه من العلم والفضل.
(عدوتان) العدوة بضم العين وكسرها، هي جانب الوادي.
(جدبة) الجدبة ضد الخصبة.
قال صاحب التحرير: الجدبة، هنا، بسكون الدال وكسرها.
قال: والخصبة كذلك.
(معجزه) أي ننسبه إلى العجز.
(هذا المحل أو قال هذا المنزل) هما بمعنى واحد.
وهو بفتح الحاء وكسرها.
والفتح أقيس.
فإن ما كان على وزن فعل ومضارعه يفعل، بضم ثالثه -كان مصدره واسم الزمان والمكان منه مفعلا، بالفتح.
كقعد يقعد مقعدا.
ونظائره إلا أحرفا شذت جاءت بالوجهين.
منها: المحل.
(عبد الله) مجرور بحكاية الإعراب في السند السابق.

شرح حديث (إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه)

شرح النووي على مسلم(المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج): أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)

‏ ‏أَمَّا ( الْوَبَاء ) ‏ ‏فَمَهْمُوز مَقْصُور وَمَمْدُود , لُغَتَانِ , الْقَصْر أَفْصَح وَأَشْهَر.
قَوْله : ( حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغ لَقِيَهُ أَهْل الْأَجْنَاد ) ‏ ‏أَمَّا ( سَرْغ ) ‏ ‏فَبِسِينٍ مُهْمَلَة مَفْتُوحَة ثُمَّ رَاءٍ سَاكِنَة ثُمَّ غَيْن مُعْجَمَة , وَحَكَى الْقَاضِي وَغَيْره أَيْضًا فَتْح الرَّاء , وَالْمَشْهُور إِسْكَانهَا , وَيَجُوز صَرْفه وَتَرْكه , وَهِيَ قَرْيَة فِي طَرَف الشَّام مِمَّا يَلِي الْحِجَاز.
‏ ‏وَقَوْله : ( أَهْل الْأَجْنَاد ) ‏ ‏وَفِي غَيْر هَذِهِ الرِّوَايَة : ( أُمَرَاء الْأَجْنَاد ) وَالْمُرَاد بِالْأَجْنَادِ هُنَا مَدَن الشَّام الْخَمْس , وَهِيَ فِلَسْطِين وَالْأُرْدُنّ وَدِمَشْق وَحِمْص وَقِنِّسْرِين , هَكَذَا فَسَّرُوهُ , وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ , وَمَعْلُوم أَنَّ فِلَسْطِين اِسْم لِنَاحِيَةِ بَيْت الْمَقْدِس , وَالْأَرْدُن اِسْم لِنَاحِيَةِ سِيَّان وَطَبَرِية , وَمَا يَتَعَلَّق بِهِمَا , وَلَا يَضُرّ إِطْلَاق اِسْم الْمَدِينَة عَلَيْهِ.
‏ ‏قَوْله : ( اُدْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ , فَدَعَا , ثُمَّ دَعَا الْأَنْصَار , ثُمَّ مَشْيَخَة قُرَيْش مِنْ مُهَاجِرَة الْفَتْح ) ‏ ‏إِنَّمَا رَتَّبَهُمْ هَكَذَا عَلَى حَسَب فَضَائِلهمْ.
قَالَ الْقَاضِي : الْمُرَاد بِالْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ مَنْ صَلَّى لِلْقِبْلَتَيْنِ , فَأَمَّا مَنْ أَسْلَمَ بَعْد تَحْوِيل الْقِبْلَة فَلَا يُعَدّ فِيهِمْ.
قَالَ : وَأَمَّا مُهَاجِرَة الْفَتْح , فَقِيلَ : هُمْ الَّذِينَ أَسْلَمُوا قَبْل الْفَتْح , فَحَصَلَ لَهُمْ فَضْل بِالْهِجْرَةِ قَبْل الْفَتْح , إِذْ لَا هِجْرَة بَعْد الْفَتْح , وَقِيلَ : هُمْ مُسْلِمَة الْفَتْح الَّذِينَ هَاجَرُوا بَعْده , فَحَصَلَ لَهُمْ اِسْم دُون الْفَضِيلَة.
قَالَ الْقَاضِي : هَذَا أَظْهَر ; لِأَنَّهُمْ الَّذِينَ يُطْلَق عَلَيْهِمْ مَشْيَخَة قُرَيْش.
وَكَانَ رُجُوع عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لِرُجْحَانِ طَرَف الرُّجُوع لِكَثْرَةِ الْقَائِلِينَ بِهِ , وَأَنَّهُ أَحْوَط , وَلَمْ يَكُنْ مُجَرَّد تَقْلِيد لِمُسْلِمَةِ الْفَتْح ; لِأَنَّ بَعْض الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَبَعْض الْأَنْصَار أَشَارُوا بِالرُّجُوعِ , وَبَعْضهمْ بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ , وَانْضَمَّ إِلَى الْمُشِيرِينَ بِالرُّجُوعِ رَأْي مَشْيَخَة قُرَيْش , فَكَثُرَ الْقَائِلُونَ بِهِ , مَعَ مَا لَهُمْ مِنْ السِّنّ وَالْخِبْرَة وَكَثْرَة التَّجَارِب وَسَدَاد الرَّأْي.
وَحُجَّة الطَّائِفَتَيْنِ وَاضِحَة مُبَيَّنَة فِي الْحَدِيث , وَهُمَا مُسْتَمَدَّانِ مِنْ أَصْلَيْنِ فِي الشَّرْع : أَحَدهمَا التَّوَكُّل وَالتَّسْلِيم لِلْقَضَاءِ , وَالثَّانِي الِاحْتِيَاط وَالْحَذَر وَمُجَانَبَة أَسْبَاب الْإِلْقَاء بِالْيَدِ إِلَى التَّهْلُكَة.
قَالَ الْقَاضِي : وَقِيلَ : إِنَّمَا رَجَعَ عُمَر لِحَدِيثِ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف كَمَا قَالَ مُسْلِم هُنَا فِي رِوَايَته عَنْ اِبْن شِهَاب أَنَّ سَالِم بْن عَبْد اللَّه قَالَ : إِنَّ عُمَر إِنَّمَا اِنْصَرَفَ بِالنَّاسِ عَنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف.
قَالُوا : وَلِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَرْجِع لِرَأْيٍ دُون رَأْي حَتَّى يَجِد عِلْمًا وَتَأَوَّلَ هَؤُلَاءِ.
‏ ‏قَوْله : ( إِنِّي مُصْبِح عَلَى ظَهْر فَأَصْبَحُوا ) ‏ ‏فَقَالُوا أَيْ مُسَافِر إِلَى الْجِهَة الَّتِي قَصَدْنَاهَا أَوَّلًا , لَا لِلرُّجُوعِ إِلَى الْمَدِينَة , وَهَذَا تَأْوِيل فَاسِد , وَمَذْهَب ضَعِيف , بَلْ الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور , وَهُوَ ظَاهِر الْحَدِيث أَوْ صَرِيحه , أَنَّهُ إِنَّمَا قَصَدَ الرُّجُوع أَوَّلًا بِالِاجْتِهَادِ حِين رَأَى الْأَكْثَرِينَ عَلَى تَرْك الرُّجُوع , مَعَ فَضِيلَة الْمُشِيرِينَ بِهِ , وَمَا فِيهِ مِنْ الِاحْتِيَاط , ثُمَّ بَلَغَهُ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن , فَحَمِدَ اللَّه تَعَالَى , وَشَكَرَهُ عَلَى مُوَافَقَة اِجْتِهَاده وَاجْتِهَاد مُعْظَم أَصْحَابه نَصَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
‏ ‏قَوْله : ( إِنِّي مُصْبِح عَلَى ظَهْر فَأَصْبَحُوا عَلَيْهِ ) هُوَ بِإِسْكَانِ الصَّاد فِيهِمَا أَيْ مُسَافِر رَاكِب عَلَى ظَهْر الرَّاحِلَة , رَاجِع إِلَى وَطَنِي , فَأَصْبَحُوا عَلَيْهِ , وَتَأَهَّبُوا لَهُ.
‏ ‏وَأَمَّا قَوْل مُسْلِم : ( إِنَّهُ رَجَعَ لِحَدِيثِ عَبْد الرَّحْمَن ) فَيُحْتَمَل أَنَّ سَالِمًا لَمْ يَبْلُغهُ مَا كَانَ عُمَر عَزَمَ عَلَيْهِ مِنْ الرُّجُوع قَبْل حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن لَهُ , وَيُحْتَمَل أَنَّهُ أَرَادَ لَمْ يَرْجِع إِلَّا بَعْد حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن.
وَاللَّهُ أَعْلَم.
‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : أَفِرَارًا مِنْ قَدَر اللَّه ؟ فَقَالَ عُمَر لَوْ غَيْرك قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَة ‚ وَكَانَ عُمَر يَكْرَه خِلَافه نَعَمْ نَفِرّ مِنْ قَدَر اللَّه إِلَى قَدَر اللَّه , أَرَأَيْت لَوْ كَانَ لَك إِبِل فَهَبَطْت وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ إِحْدَاهُمَا خَصِيبَة وَالْأُخْرَى جَدْبَة , أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْت الْخَصِيبَة رَعَيْتهَا بِقَدَرِ اللَّه , وَإِنْ رَعَيْت الْجَدْبَة رَعَيْتهَا بِقَدَرِ اللَّه ) ؟ ‏ ‏أَمَّا ( الْعُدْوَة ) ‏ ‏فَبِضَمِّ الْعَيْن وَكَسْرهَا وَهِيَ جَانِب الْوَادِي , ‏ ‏( وَالْجَدْبَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيم وَإِسْكَان الدَّال الْمُهْمَلَة , وَهِيَ ضِدّ الْخَصِيبَة.
وَقَالَ صَاحِب التَّحْرِير : الْجَدْبَة هُنَا بِسُكُونِ الدَّال وَكَسْرهَا.
قَالَ : وَالْخِصْبَة كَذَلِكَ.
أَمَّا ‏ ‏قَوْله : ( لَوْ غَيْرك قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَة ) ‏ ‏فَجَوَاب ( لَوْ ) مَحْذُوف , وَفِي تَقْدِيره وَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا صَاحِب التَّحْرِير وَغَيْره.
أَحَدهمَا لَوْ قَالَهُ غَيْرك لَأَدَّبْته , لِاعْتِرَاضِهِ عَلَيَّ فِي مَسْأَلَة اِجْتِهَادِيَّة وَافَقَنِي عَلَيْهَا أَكْثَر النَّاس , وَأَهْل الْحِلّ وَالْعَقْد فِيهَا.
وَالثَّانِي لَوْ قَالَهَا غَيْرك لَمْ أَتَعَجَّب مَعَهُ , وَإِنَّمَا أَتَعَجَّب مِنْ قَوْلك أَنْتَ ذَلِكَ مَعَ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنْ الْعِلْم وَالْفَضْل , ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ عُمَر دَلِيلًا وَاضِحًا مِنْ الْقِيَاس الْجَلِيّ الَّذِي لَا شَكّ فِي صِحَّته , وَلَيْسَ ذَلِكَ اِعْتِقَادًا مِنْهُ أَنَّ الرُّجُوع يَرُدّ الْمَقْدُور , وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَمْر بِالِاحْتِيَاطِ وَالْحَزْم وَمُجَانَبَة أَسْبَاب الْهَلَاك كَمَا أَمَرَ سُبْحَانه وَتَعَالَى بِالتَّحَصُّنِ مِنْ سِلَاح الْعَدُوّ , وَتَجَنُّب الْمَهَالِك , وَإِنْ كَانَ كُلّ وَاقِع فَبِقَضَاءِ اللَّه وَقَدَرَهُ السَّابِق فِي عِلْمه , وَقَاسَ عُمَر عَلَى رَعْي الْعُدْوَتَيْنِ لِكَوْنِهِ وَاضِحًا لَا يُنَازِع فِيهِ أَحَد مَعَ مُسَاوَاته لِمَسْأَلَةِ النِّزَاع.
‏ ‏قَوْله : ( أَكُنْت مُعَجِّزه ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْن وَتَشْدِيد الْجِيم أَيْ تَنْسُبهُ إِلَى الْعَجْز , مَقْصُود عُمَر أَنَّ النَّاس رَعِيَّة لِي اِسْتَرْعَانِيهَا اللَّه تَعَالَى , فَيَجِب عَلِيّ الِاحْتِيَاط لَهَا , فَإِنْ تَرَكْته نَسَبْت إِلَى الْعَجْز وَاسْتَوْجَبْت الْعُقُوبَة.
وَاللَّهُ أَعْلَم.
‏ ‏قَوْله : ( هَذَا الْمَحَلّ أَوْ قَالَ هَذَا الْمَنْزِل ) ‏ ‏هُمَا بِمَعْنًى , وَهُوَ بِفَتْحِ الْحَاء وَكَسْرهَا , وَالْفَتْح أَقْيَس , فَإِنَّ مَا كَانَ عَلَى وَزْن ( فَعَلَ ) وَمُضَارِعه ( يَفْعُل ) بِضَمِّ ثَالِثه كَانَ مَصْدَره وَاسْم الزَّمَان وَالْمَكَان ( مَفْعَلًا ) بِالْفَتْحِ كَقَعَدِ يَقْعُد مَقْعَدًا , وَنَظَائِره , إِلَّا أَحْرُفًا شَذَّتْ جَاءَتْ بِالْوَجْهَيْنِ مِنْهَا الْمَحَلّ.
‏ ‏قَوْله فِي الْإِسْنَاد : ( عَنْ مَالِك عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ عَبْد الْحَمِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن الْخَطَّاب عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث بْن نَوْفَل عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس ) ‏ ‏قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ كَذَا قَالَ مَالِك , وَقَالَ مَعْمَر وَيُونُس : عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث.
قَالَ : وَالْحَدِيث صَحِيح عَلَى اِخْتِلَافه.
قَالَ : وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق يُونُس عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث , وَأَمَّا الْبُخَارِيّ فَلَمْ يُخَرِّجهُ إِلَّا مِنْ طَرِيق مَالِك.
‏ ‏وَاعْلَمْ أَنَّ فِي حَدِيث عُمَر هَذَا فَوَائِد كَثِيرَة : مِنْهَا خُرُوج الْإِمَام بِنَفْسِهِ فِي وِلَايَته فِي بَعْض الْأَوْقَات لِيُشَاهِد أَحْوَال رَعِيَّته , وَيُزِيل ظُلْم الْمَظْلُوم , وَيَكْشِف كَرْب الْمَكْرُوب , وَيَسُدّ خَلَّة الْمُحْتَاج , وَيَقْمَع أَهْل الْفَسَاد , وَيَخَافهُ أَهْل الْبَطَالَة وَالْأَذَى وَالْوُلَاة , وَيَحْذَرُوا تَجَسُّسه عَلَيْهِمْ وَوُصُول قَبَائِحهمْ إِلَيْهِ , فَيَنْكُفُوا , وَيُقِيم فِي رَعِيَّته شَعَائِر الْإِسْلَام , وَيُؤَدِّب مَنْ رَآهُمْ مُخِلِّينَ بِذَلِكَ , وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِح.
وَمِنْهَا تَلَقِّي الْأُمَرَاء وَوُجُوه النَّاس الْإِمَام عِنْد قُدُومه , وَإِعْلَامهمْ إِيَّاهُ بِمَا حَدَثَ فِي بِلَادهمْ مِنْ خَيْر وَشَرّ , وَوَبَاء , وَرُخْص , وَغَلَاء , وَشِدَّة , وَرَخَاء وَغَيْر ذَلِكَ.
وَمِنْهَا اِسْتِحْبَاب مُشَاوَرَة أَهْل الْعِلْم وَالرَّأْي فِي الْأُمُور الْحَادِثَة , وَتَقْدِيم أَهْل السَّابِقَة فِي ذَلِكَ.
وَمِنْهَا تَنْزِيل النَّاس مَنَازِلهمْ , وَتَقْدِيم أَهْل الْفَضْل عَلَى غَيْرهمْ , وَالِابْتِدَاء بِهِمْ فِي الْمَكَارِم.
وَمِنْهَا جَوَاز الِاجْتِهَاد فِي الْحُرُوب وَنَحْوهَا كَمَا يَجُوز فِي الْأَحْكَام.
وَمِنْهَا قَبُول خَبَر الْوَاحِد , فَإِنَّهُمْ قَبِلُوا خَبَر عَبْد الرَّحْمَن.
وَمِنْهَا صِحَّة الْقِيَاس , وَجَوَاز الْعَمَل بِهِ.
وَمِنْهَا اِبْتِدَاء الْعَالِم بِمَا عِنْده مِنْ الْعِلْم قَبْل أَنْ يَسْأَلهُ كَمَا فَعَلَ عَبْد الرَّحْمَن.
وَمِنْهَا اِجْتِنَاب أَسْبَاب الْهَلَاك.
وَمِنْهَا مَنْع الْقُدُوم عَلَى الطَّاعُون , وَمَنْع الْفِرَار مِنْهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَم.


حديث إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا

الحديث بالسند الكامل مع التشكيل

‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ ‏ ‏قَالَ قَرَأْتُ عَلَى ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏خَرَجَ إِلَى ‏ ‏الشَّامِ ‏ ‏حَتَّى إِذَا كَانَ ‏ ‏بِسَرْغَ ‏ ‏لَقِيَهُ أَهْلُ الْأَجْنَادِ ‏ ‏أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ‏ ‏وَأَصْحَابُهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ ‏ ‏بِالشَّامِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏ادْعُ لِي ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏الْأَوَّلِينَ فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ ‏ ‏بِالشَّامِ ‏ ‏فَاخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ قَدْ خَرَجْتَ لِأَمْرٍ وَلَا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ ‏ ‏وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ فَقَالَ ‏ ‏ارْتَفِعُوا ‏ ‏عَنِّي ثُمَّ قَالَ ادْعُ لِي ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَدَعَوْتُهُمْ لَهُ فَاسْتَشَارَهُمْ فَسَلَكُوا سَبِيلَ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِهِمْ فَقَالَ ‏ ‏ارْتَفِعُوا ‏ ‏عَنِّي ثُمَّ قَالَ ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ فَدَعَوْتُهُمْ فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ رَجُلَانِ فَقَالُوا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلَا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ فَنَادَى ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فِي النَّاسِ إِنِّي مُصْبِحٌ عَلَى ‏ ‏ظَهْرٍ ‏ ‏فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ‏ ‏أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا ‏ ‏أَبَا عُبَيْدَةَ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يَكْرَهُ خِلَافَهُ نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَتْ لَكَ إِبِلٌ فَهَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ ‏ ‏عُدْوَتَانِ ‏ ‏إِحْدَاهُمَا خَصْبَةٌ وَالْأُخْرَى ‏ ‏جَدْبَةٌ ‏ ‏أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ وَإِنْ رَعَيْتَ ‏ ‏الْجَدْبَةَ ‏ ‏رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ فَجَاءَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ‏ ‏وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ فَقَالَ إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ قَالَ فَحَمِدَ اللَّهَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏ثُمَّ انْصَرَفَ ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ‏ ‏وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ رَافِعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏و قَالَ ‏ ‏الْآخَرَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏بِهَذَا الْإِسْنَادِ ‏ ‏نَحْوَ حَدِيثِ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏وَزَادَ فِي حَدِيثِ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏قَالَ وَقَالَ لَهُ أَيْضًا أَرَأَيْتَ أَنَّهُ لَوْ رَعَى ‏ ‏الْجَدْبَةَ ‏ ‏وَتَرَكَ الْخَصْبَةَ أَكُنْتَ مُعَجِّزَهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَسِرْ إِذًا قَالَ فَسَارَ حَتَّى أَتَى ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَقَالَ هَذَا الْمَحِلُّ أَوْ قَالَ هَذَا الْمَنْزِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ‏ ‏و حَدَّثَنِيهِ ‏ ‏أَبُو الطَّاهِرِ ‏ ‏وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏قَالَا أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏بِهَذَا الْإِسْنَادِ ‏ ‏غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَهُ وَلَمْ يَقُلْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏

كتب الحديث النبوي الشريف

أحاديث أخرى من صحيح مسلم

أن رجلا وقع بامرأته في رمضان

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رجلا وقع بامرأته في رمضان، فاستفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: «هل تجد رقبة؟» قال: لا، قال: «وهل تستطيع ص...

نساء قريش خير نساء ركبن الإبل

عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «نساء قريش خير نساء ركبن الإبل، أحناه على طفل، وأرعاه على زوج في ذات يده» قال: يقول أبو ه...

نهى النبي ﷺ عن الدباء والمزفت أن ينبذ فيه

عن أنس بن مالك، أنه أخبره، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الدباء والمزفت أن ينبذ فيه»

كنا نتخوف أن تحيض صفية قبل أن تفيض

عن عائشة، قالت: كنا نتخوف أن تحيض صفية قبل أن تفيض، قالت: فجاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أحابستنا صفية؟» قلنا: قد أفاضت، قال: «فلا إذن»

أمر بقتل الأبتر وذي الطفيتين

عن نافع، أن أبا لبابة بن عبد المنذر الأنصاري، وكان مسكنه بقباء فانتقل إلى المدينة، فبينما عبد الله بن عمر جالسا معه يفتح خوخة له، إذا هم بحية من عوامر...

من علم الرمي ثم تركه فليس منا أو قد عصى

عن عبد الرحمن بن شماسة، أن فقيما اللخمي، قال لعقبة بن عامر: تختلف بين هذين الغرضين وأنت كبير يشق عليك، قال عقبة: لولا كلام سمعته من رسول الله صلى الله...

خرج رسول الله ﷺ بالهاجرة إلى البطحاء فتوضأ فصلى رك...

حدثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت أبا جحيفة، قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة إلى البطحاء فتوضأ فصلى الظهر ركعتين، والعصر ركعتين وبين يد...

لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر

عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر»

قال النبي ﷺ الشؤم في الدار والمرأة والفرس

عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الشؤم في الدار، والمرأة، والفرس»